Accueil

Accueil
Do3ae mostjabe

vendredi 17 novembre 2017

إصلاح ذات البين



الحمد لله والصلاة والسلام على نبيه ومصطفاه محمد بن عبد الله وآله وصحبه ومن اهتدى بهداه، وبعد:
من هداية الله -تعالى- للمؤمنين، ورحمته بهم، أن وحد كلمتهم بالإسلام، وجمع قلوبهم بالإيمان، فلمّ به شعثهم، وأزال ضغائنهم، وشفى صدورهم، فكانوا إخوة في دين الله -تعالى- متحابين متجالسين متباذلين، كالبنيان يشد بعضه بعضا {وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} (آل عمران:103) وفي الآية الأخرى {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (الأنفال:63) .
وما من سبيل يزيد من لُحْمَة المؤمنين، ويؤدي إلى ترابطهم وتآلفهم إلا جاءت به الشريعة وجوبا أو ندبا، وما من طريق تؤدي إلى التفرق والاختلاف، والضغينة والشحناء، والقطيعة والبغضاء إلا حرمتها الشريعة، وأوصدت طرقها، وسدت سبلها؛ ولذلك أمرت الشريعة بالبر والصلة، وحرمت العقوق والقطيعة.
وأمرت بإفشاء السلام، وإطعام الطعام، والحب في الله -تعالى-، والزيارة فيه، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس، وعيادة المريض، واتباع الجنازة، وحفظ حقوق الأهل والقرابة والجيران، وجعلت للمسلم على أخيه المسلم حقوقا يحفظها له، فيؤجر عليها، وأرشدت إلى كثير من الآداب والأخلاق التي من شأنها أن تقوي الروابط، وتديم الألفة، وتزيد في المودة والمحبة بين الناس.
وحرمت الشريعة الهمز واللمز والسخرية، والغيبة والنميمة، والقذف والبهتان، والشتم والسباب، والكذب والمراء، والفجور والجدال، وغير ذلك من الأقوال والأفعال التي من شأنها أن تسبب الضغائن والخصومات، وتؤجج نيران الأحقاد والعداوات.

ومع كل هذه الاحترازات الشرعية التي يربي الإسلام أهله عليها فإن الإنسان وهو يعيش صخب الحياة ومشكلاتها لا بد أن يعتريه غضب وسهو وغفلة فيعتدي على أخيه بقول أو فعل في حال ضعف منه عن كبح جماح نفسه، وتسكين سورة غضبه، وحتى لا يتسبب هذا الخطأ منه في الخصومة والقطيعة التي يغذيها الشيطان، وينفخ في نارها؛ رتب الإسلام أجورا عظيمة على الحلم وكظم الغيظ والعفو عن الناس، ووعد الله -سبحانه وتعالى- الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس جنةً عرضها السموات والأرض، وأُمر المعتدي برفع ظلمه، والرجوع عن خطئه، والاعتذار لمن وقع عليه اعتداؤه.
إنها تشريعات ربانية عظيمة جليلة لو أخذ الناس بها لما وجد الشيطان عليهم سبيلا، ولما حلَّت في أوساطهم القطيعة والخصومة، ولكن الشيطان وإن أيس أن يعبده المصلون فإنه لم ييأس من التحريش فيما بينهم، وبث الفرقة والاختلاف فيهم، والنيل منهم بالعداوة والخصومة؛ ولذا فهو يزين للمعتدي سوء عمله، وإصراره على خطئه، وتماديه في جهله، ويحرض المعتدى عليه على الانتصار لنفسه، وأخذ حقه، والنيل ممن اعتدى عليه وعدم العفو عنه، وحينئذ تدب الخصومة والفرقة التي تتولد عنها الضغينة والقطيعة، وقد يصل ذلك إلى الاعتداء والاقتتال.

من أجل ذلك شرع الإسلام إصلاح ذات البين، وأمر الله -تعالى- به، وأباح للمصلحين ما حرَّم على غيرهم، ورتب أعظم الأجور على هذه المهمة العظيمة.
والأمر بإصلاح ذات البين جاء في قول الله -تعالى-: {فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ} (الأنفال:1) وفي الآية الأخرى {إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} (الحجرات:10) وفي آية ثالثة {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} (النساء:128).
والاشتغال بالصلح بين المتخاصمين أفضل من الاشتغال بنوافل العبادات؛ لما في الإصلاح بين الناس من النفع المتعدي الذي يكون سببا في وصل أرحام قطعت، وزيارة إخوان هُجِروا، ونظافة القلوب مما علق بها من أدران الحقد والكراهية، وذلك يؤدي إلى متانة المجتمع وقوته بتآلف أفراده وتماسكهم، روى أبو الدرداء -رضي الله عنه- فقال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟" قالوا: بلى، قال: "إصلاح ذات البين، وفساد ذات البين الحالقة". (رواه أبو داود وصححه ابن حبان).

والإصلاح بين الناس معدود في الصدقات بقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "كل سلامى من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس تعدل بين الاثنين صدقة" رواه الشيخان. قال النووي -رحمه الله تعالى-: "ومعنى تعدل بينهما تصلح بينهما بالعدل".
ولعظيم أمر الإصلاح بين الناس أبيح للمصلحين ما حُرِّم على غيرهم؛ فلا يتناجى اثنان دون الثالث إلا إذا كان غرض المناجي لأحدهما الإصلاح بينهما، وقد ذم الله -تعالى- كثيرا من التناجي إلا ما كان للإصلاح {لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ} (النساء:114) . وفي الآية الأخرى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالإِثْمِ وَالعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالبِرِّ وَالتَّقْوَى} (المجادلة:9) ومن أعظم التناجي بالبر والتقوى ما كان للإصلاح بين مسلمين قد فسد ما بينهما.
وقد يحتاج المصلح إلى بعض الكذب ليُقَرِّب بين المتخاصمين، ويزيل ما بينهما من الضغينة، ويهيئ قلبيهما لقبول الصلح والعفو؛ وذلك كأن يخبر أحد الخصمين بأن صاحبه لا يذكره إلا بخير، وأنه متشوف لمصالحته، حريص على قربه ومودته مع عدم حقيقة ذلك، أو يسأله أحد الخصمين إن كان خصمه ذكره بسوء عنده فينفي ذلك مع وقوعه منه، وما قَصَدَ بكذبه إلا إطفاء نار الخصومة، وإزالة أسباب الشحناء، فَرُخِّص له في ذلك مع قبح الكذب، وعموم المنع منه؛ كما جاء في حديث أم كلثوم بنت عقبة رضي الله عنها أنها سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فَيَنْمِي خيرا أو يقول خيرا". (متفق عليه).
وقال نعيم بن حماد: "قلت لسفيان بن عيينة: أرأيت الرجل يعتذر إليَّ من الشيء عسى أن يكون قد فعله ويحرف فيه القول ليرضيه، أعليه فيه حرج؟ قال: لا، ألم تسمع قوله "ليس بكاذب من قال خيرا أو أصلح بين الناس" وقد قال الله -عز وجل-: {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ} (النساء:114) فإصلاحه فيما بينه وبين الناس أفضل إذا فعل ذلك لله وكراهة أذى المسلمين، وهو أولى به من أن يتعرض لعداوة صاحبه وبغضته؛ فإن البغضة حالقة الدين، قلت: أليس من قال ما لم يكن فقد كذب، قال: لا، إنما الكاذب الآثم، فأما المأجور فلا، ألم تسمع إلى قول إبراهيم عليه السلام {إِنِّي سَقِيمٌ} (الصَّفات:89) و {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} (الأنبياء:63) وقال يوسف لإخوته: {إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ} (يوسف:70) وما سرقوا وما أَثِمَ يوسف؛ لأنه لم يرد إلا خيرا، قال الله -عز وجل-: {كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ} (يوسف:76)، وقال الملكان لداود -عليه السلام-: {خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ} (ص:22) ولم يكونا خصمين وإنما أرادا الخير والمعنى الحسن ...

بل إن المصلح بين الخصمين منهي عن الصدق إذا كان صدقه يشعل نار الفتنة بينهما، ويزيد فرقتهما. والذي ينقل الكلام بين الناس على وجه الإفساد يسمى نماما ولو كان صادقا فيما ينقل، والنميمة من كبائر الذنوب، ولا يدخل الجنة نمام كما جاء في الحديث المتفق عليه عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. فلربما نُهِي المصلح عن الصدق إن كان يضر بمهمته كمصلح بين خصمين، ويُرَخَّصُ له في الكذب إن كان الكذب يؤدي إلى إصلاح ذات البين، وفي هذا المعنى يقول ابن بابويه -رحمه الله تعالى-: "إن الله -تعالى- أحب الكذب في الإصلاح، وأبغض الصدق في الإفساد".
والمتصدي لفض الخصومات، وقطع النزاعات، والإصلاح بين الناس قد يحتاج إلى مال ليدفعه تعويضا أو دية أو إرضاء لأحد الخصمين، فيغرم بسبب ذلك من ماله، فأبيح له أن يأخذ ما غرم من الزكاة؛ إذ إن من أهل الزكاة المنصوص عليهم في كتاب الله -تعالى- الغارمين، سواء غرموا لِحَظِ أنفسهم أم لحق غيرهم.
إن الإصلاح بين المتخاصمين مهمة جليلة قد فرط فيها كثير من الناس مع قدرتهم عليها، وكثير من الخصومات تكون أسبابها تافهة، وإزالتها يسيرة، وقد توجد رغبة الصلح عند كلا الخصمين، ولكن تمنعهما الأنفة والعزة من التنازل مباشرة، أو المبادرة إلى الصلح بلا وسيط، فإذا ما جاء الوسيط سهل الإصلاح بينهما؛ لرغبة كل واحد منهما في ذلك، فينال الوسيط أجرا عظيما على عمل قليل، ويؤلف بين قلبين متنافرين.
وما من أسرة أو قبيلة بين بعض رجالها خلاف وقطيعة إلا وفيها رجال عقلاء يستطيعون السعي في إزالة الخلاف والقطيعة، ولكن التقصير والغفلة تحول دون ذلك.
وما من حارة أو دائرة حكومية أو شركة أو مؤسسة بين بعض أفرادها خصومة إلا وفيها من الرجال الأكفاء من هو قادر على الإصلاح بين المتخاصمين، ولا سيما ذوي الجاه والغنى والمناصب، ولكنهم يقصرون في ذلك من باب عدم التدخل فيما لا يعني حسب ظنهم، وقد صلحت لهم دنياهم فما عليهم لو اختصم الناس، وأكل بعضهم بعضا!! وهذه أنانية مفرطة، وأثرة بغيضة، وحرمان من خير عظيم قد رتبه الشارع الحكيم على إصلاح ذات البين.
{فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} (الأنفال:1) .

إصلاح النية 
من تصدى للإصلاح بين الناس فعليه أن يخلص نيته لله -تعالى-، ولا ينشد ثناء الناس وشكرهم؛ فإن هذه المهمة الجليلة مظنة للسؤدد والرفعة والثناء، وقد يدخل الشيطان من خلالها على العبد فيفسد نيته، والله -تعالى- يقول في الإصلاح بين الناس: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ الله فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} (النساء:114).
وعليه أن يستعين بالله سبحانه على مهمته، ويسأله تأليف قلبي صاحبيه، وإلانتهما لقبول مبادرته؛ فإن القلوب بيده -عز وجل- يقلبها كيف يشاء، وهو يقربها ويباعدها، ولا عون له في صلحه إلا بالله -تعالى-.
وعلى الساعي بالإصلاح أن يتحرى العدل في صلحه؛ فلا يميل لأحد الخصمين لقوته ونفوذه، أو لإلحاحه وعناده، فيظلم الآخر لحسابه، فيتحول من مصلح إلى ظالم، ولا سيما إذا ارتضاه الخصمان حكما بينهما فمال إلى أحدهما، وقد أمر الله -تعالى- بالعدل بين الخصوم في قوله سبحانه: {فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ} (الحجرات:9) .
وليتسلح في إصلاحه بالعلم الشرعي، أو سؤال أهل العلم ما يحتاج إلى سؤال؛ فإن كان الخلاف على مال أو إرث أو أرض فلا بد أن يعرف حكم الشريعة في ذلك قبل أن يُقْدِم على الصلح، وله أن يُقَرِّب بين الخصمين، ويقنعهما بالصلح، ثم يختار لهما حكما من أهل العلم يرضيانه. وإن كان الخلاف بين زوجين فلا بد أن يعلم بالحقوق الشرعية للزوجين؛ ليتبين الظالم من المظلوم، والمخطئ من المصيب، فينبه الظالم على ظلمه، ويدل المخطئ على خطئه.
ومن فقه المصلح أن يختار الوقت المناسب للصلح، فلا يبادر إلى الصلح عقب التشاتم والتعارك والتقاتل، بل يتربص بقدر ما يسكن الخصمان، ويعودان إلى رشدهما، وتذهب سورة الغضب، وتضعف دواعي الانتقام، فيلقي بمبادرته إليهما.

وعلى المصلح أن يَجِدَّ في قطع الطريق على النمامين ونقلة الكلام الذين يعجبهم أن تسود البغضاء بين الناس؛ فإنهم ينشطون في الأزمات لبث الشائعات، ونقل الكلام، فَيُحَذِّر الخصمين من الاستماع إلى أراجيفهم، ويثبت لهما كذبهم، وما يريدونه من الإفساد والوقيعة بينهما.
وعليه أن يختار من الكلام أحسنه، ويرقق قلبيهما، ويبين لهما حقارة الدنيا وما فيها فلا تستحق أن يتعادى الإخوان من أجلها، ولا أن تقطع القرابة بسببها، ويذكرهما بالموت وما بعده من الحساب، وعليه أن يعظهما بنصوص الكتاب والسنة فإنهما أعظم زاجر للمؤمن، فيذكرهما بأن أعمالهما الصالحة موقوفة عن العرض على الله -تعالى-، وأنه سبحانه يُنْظرُهما إلى أن يصطلحا؛ كما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين ويوم الخميس فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئا إلا رجلا كانت بينه وبين أخيه شحناء فيقال: انظروا هذين حتى يصطلحا، انظروا هذين حتى يصطلحا، انظروا هذين حتى يصطلحا". (رواه مسلم).
فإن كانت الخصومة بينهما قد أدت إلى قطيعة رحم بيَّن لهما عظيم ما وقعا فيه من القطيعة، وأن الجنة لا يدخلها قاطع، وأن الرحم شجنة من الرحمن فمن وصلها وصله الله -تعالى-، ومن قطعها قطعه الله -عز وجل- كما جاء في الأحاديث.
وإن تهاجرا بسبب خصومتهما ذكرهما بخطر هجر المسلم، وأنه لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام.
وإن كانت الخصومة بين زوجين بيَّن لكل واحد منهما حقوق الآخر عليه، وذكرهما بقول الله -تعالى-: {إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُمَا} (النساء:35).
فإن احتج أحد الخصمين بأنه نذر أن لا يتنازل، أو حلف على أن لا يصالح، وهذا يقع كثيرا بين الغرماء والمتخاصمين، فيدعوه إلى أن يُكِّفرَ عن يمينه، ويصالِحَ أخاه، ويحتجُ عليه بقول الله -تعالى-: {وَلَا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (البقرة:224).
قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "هو الرجل يحلف أن لا يصل قرابته فجعل الله له مخرجا في التكفير، وأمره أن لا يعتل بالله وليكفر عن يمينه" وروى أبو هريرة رضي الله عنه فقال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه". (رواه مسلم).
ولا شك في أن الصلح خير من الشقاق، والصلة أفضل من القطيعة، والمودة أولى من الكراهية.
ومن سعى بإصلاح ذات البين فإنه يجب على الناس تأييده وتشجيعه بالقول والفعل، ومعونته بما يحتاج من الجاه والمال؛ فإن إصلاح ذات البين يعود على الجميع بالخير والمحبة والألفة، كما أن فساد ذات البين يضر المجتمع عامة بما يسود فيه من الأحقاد والضغائن والجرائم والانتقام.
ومن سعى إليه أخوه بالإصلاح فليقبل منه، وليعنه عليه، وليكن خير الخصمين، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام.
{رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} (الحشر:10). 

الإعراض عن الله ( معناه، أنواعه، وأسبابه)




حِيْنَ خَلَقَ اللهُ تَعَالَىْ عِبَادَهُ فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ ابْتَلَاهُمْ بِدَيْنِهِ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ رُسَلَهُ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِمْ كَتَبَهُ، وَفَرَضَ عَلَيْهِمْ شَرَائِعَهُ، وَامْتَدَحَ مَنْ أَطَاعَهُ وَوَعَدَهُمْ الْجَنَّةَ، وَذَمَّ مَنْ عَصَاهُ وَوَعَدَهُمُ الْنَّارَ؛ فَكَانَ الْبَشَرُ قِسْمَيْنِ: {فَرِيْقاً هَدَىَ وَفَرِيْقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ} (الْأَعْرَافِ:30) وَمَآلُهُمْ فِيْ الْآَخِرَةِ {فَرِيْقٌ فِيْ الْجَنَّةِ وَفَرِيْقٌ فِيْ الْسَّعِيرِ} (الْشُّوْرَىْ:7).

وَمِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ الْضَّلَالِ الَّذِيْ يُوْرِدُ دَارَ الْسَّعِيرِ: الْإِعْرَاضُ عَنِ الله تَعَالَىْ، وَعَمَّا بَلَّغَتْهُ رُسُلُهُ عَلَيْهِمُ الْسَّلامُ مِنْ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ عَزَّ وَجَلَّ، سَوَاءً كَانَ إِعْرَاضَاً كُلِّيَّاً، أَمْ كَانَ إِعْرَاضاً جُزْئِيَّاً عَنْ بَعْضِ أَحْكَامِ الْشَرِيْعَةِ، وَيُسَمَّى الْإِعْرَاضُ فِيْ الْقُرْآَنِ تُوَلِّيَاً {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِيْنُ} (الْنَّحْلِ:82).

وَيُسَمَّى صُدُوْدَاً {رَأَيْتَ الْمُنَافِقِيْنَ يَصُدُّوْنَ عَنْكَ صُدُوْداً} (الْنِّسَاءِ:61) وَيُسَمَّى أُفُوْكَاً {يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ} (الْذَّارِيَاتِ:9) وَيُسَمَّى إِدْبَارَاً {ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ} (الْمُدَّثِّرُ:23) كَمَا يُسَمَّىْ إِعْرَاضَاً {فَإِنْ أَعْرَضُوْا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيْظَاً} (الْشُّوْرَىْ:48) وَالْقُرْآَنُ مَلِيْءٌ بِذِكْرِ هَذِهِ الْمُفْرَدَاتِ فِيْ الْإِخْبَارِ عَنْ الْمُعْرِضِيْنَ وَأَحْوَالِهِمْ وَأَوْصَافِهِمْ وَأَقْوَالِهِمْ وَعَاقِبَتِهِمْ.

وَأَكْثَرُ الْمُعْرِضِيْنَ أَعْرَضُوْا عَنْ الله تَعَالَىْ بَعْدَ قِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، وَارْتِفَاعِ الْجَهْلِ عَنْهُمْ، فَهُمْ يُكَذِّبُوْنَ بِآَيَاتِ الله تَعَالَىْ وَيُعْرِضُوْنَ عَنِ دِيْنِهِ {وَمَا تَأْتِيَهِمْ مِّنْ آَيَةٍ مِّنْ آَيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوْا عَنْهَا مُعْرِضِيْنَ * فَقَدْ كَذَّبُوُا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ} (الْأَنْعَامِ:4-5).

وَالْآَيَةُ هُنَا تَشْمَلُ كُلَّ آَيَةٍ كَوْنِيَّةٍ تَدُلُّ عَلَىَ تَوْحِيْدِ الله تَعَالَىْ، كَمَا تَشْمَلُ كُلَّ آَيَةٍ قُرْآنِيَّةٍ تَدُلُّ عَلَى إِعْجَازِ الْقُرْآَنِ، وَأَنَّهُ مِنْ عِنْدِ الله سُبْحَانَهُ، فَلَزِمَ الْعَمَلُ بِهَا وَلَكِنَّ أَهْلَ الْكُفْرِ أعْرَضُوْا عَنْهَا {وَآَتَيْنَاهُمْ آَيَاتِنَا فَكَانُوْا عَنْهَا مُعْرِضِيْنَ} (الْحَجَرَ:81).

وَمِنْ إِخْبَارِ الله تَعَالَىْ عَنْهُمْ فِيْ إِعْرَاضِهِمْ عَنْ الْآَيَاتِ الْكَوْنِيَّةِ قَوْلُهُ تَعَالَىْ: {وَكَأَيِّنْ مِنْ آَيَةٍ فِيْ الْسَّمَاوَاتِ وَالْأَّرْضِ يَمُرُّوْنَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُوْنَ} (يُوَسُفَ:105).

وَمِنْ إِخْبَارِ الله تَعَالَىْ عَنْهُمْ فِيْ إِعْرَاضِهِمْ عَنِ الْآَيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ قَوْلُهُ تَعَالَىْ: {بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُّعْرِضُوْنَ} (الْمُؤْمِنُوْنَ:71) وَيَتَكَرَّرُ مِنْهُمْ الْإِعْرَاضُ مَعَ كُلِّ آَيَةٍ قُرْآنِيَّةِ يُوْعَظُونَ بِهَا {وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ} (الشعراء:5).

وَلَا عُذْرَ لَهُمْ عِنْدَ الله تَعَالَىْ بَعْدَ قِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ الْخَلَلَ فِيْهِمْ وَفِيْ أَسْمَاعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَعُقُوْلِهمْ حِيْنَ لَمْ تُبْصِرْ أَعْيُنُهُمْ آَيَاتِ الله تَعَالَىْ الْكَوْنِيَّةِ، وَلَمْ تَسْتَمِعْ آَذَانُهُمْ لَآيَاتِهِ الْقُرْآنِيَّةِ، وَلَمْ تُذْعِنْ قُلُوْبُهُمْ لَهُ بِالْعُبُوْدِيَّةِ {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ الله الصُّمُّ البُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ} (الْأَنْفَالِ:22-23).

إِنَّ الْإعْرَاضَ عَنِ الله تَعَالَىْ سَبَبٌ لِلْجَهْلِ بِهِ سُبْحَانَهُ؛ فَإِنَّ مَنْ أَعْرَضَ عَنِ الْتَّفَكُّرِ فِيْ الْآَيَاتِ الْكَوْنِيَّةِ، مَعَ إِعْرَاضِهِ عَنْ تَدَبُّرِ الْآَيَاتِ الْقُرْآنِيَّةَ، وَلَمْ يَسْعَ فِيْ مَعْرِفَةِ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ حُرِمَ مَعْرِفَتَهُ تَعَالَىْ وَمَعْرِفَةَ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ، فَكَانَ سَبَبُ جَهْلِهِ بِالله تَعَالَىْ إِعْرَاضَهُ عَنْ آَيَاتِهِ سُبْحَانَهُ {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ} (الأنبياء:24) فَأَكْثَرُ أَهْلِ الْبَاطِلِ جَهِلُوْا الْحَقَّ فَأَعْرَضُوا عَنْهُ، وَقَلِيْلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَاطِلِ عَرَفُوْا الْحَقَّ فَجَحَدُوهُ؛ وَلِذَا فَإِنَّ الْمُعْرِضِيْنَ فِيْ تَارِيْخِ الْبَشَرِ أَكْثَرُ مِنْ الْجَاحِدِينَ.

وَفِيْ الْقُرْآَنِ إِنْذَارٌ مِنَ الله تَعَالَىْ لَهُمْ بِالْعَذَابِ فِيْ الْدُّنْيَا، وَبِالْحِسَابِ فِيْ الْآَخِرَةِ، وَلَكِنَّهُمْ يُعْرِضُوْنَ عَنْ هَذَا الْإِنْذَارِ، وَالْأُمَمُ الَّتِيْ عُذِّبَتْ قَبْلَنَا كَانَ سَبَبَ عَذَابِهَا إِعْرَاضُهَا عَنْ إِنْذَارِ الله تَعَالَىْ لَهَا بِوَاسِطَةِ رُسُلِهِ عَلَيْهِمُ الْسَّلامُ، قَالَ اللهُ تَعَالَىْ فِيْهِمْ: {وَالَّذِينَ كَفَرُوَا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُوْنَ} (الْأَحْقَافِ:3) وَاللهُ تَعَالَىْ قَدْ أَنْذَرَ الْنَّاسَ عُقُوْبَتَهُ فِيْ الْدُّنْيَا إِنْ هُمْ تَمَادَوْا فِيْ عِصْيَانِهِ، كَمَا أَنْذَرَهُمْ حِسَابَهُ وَعَذَابَهُ فِيْ الْآَخِرَةِ عَلَىَ مَعَاصِيْهِمْ.

وُيَتَمَادَى الْنَّاسُ فِيْ الْغَفْلَةِ حَتَّىَ تَقْتَرِبَ الْقِيَامَةُ مِنْهُمْ وَهُمْ عَنِ الْتَّفَكُّرِ فِيْهَا مُعْرِضُوْنَ، كَمَا يَدْنُوَ مِنْهُمْ الْمَوْتُ وَهُمْ عَنْ تَذَكُّرِهِ أَيْضَاً مُعْرِضُوْنَ {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ} (الأنبياء:1).

وَقَدْ يَقَعُ الْإِعْرَاضُ مِنْ الْعَبْدِ بَعْدَ الْإِيْمَانِ وَالْإِذْعَانِ وَالْعِلْمِ بِالله تَعَالَىْ، وَهَذَا أَشَدُّ مَا يَكُوْنُ قُبْحَاً، وَأَعْظَمُ مَا يَكُوْنُ كُفْرَاً؛ إِذْ كَيْفَ يَسْتَبِيْنُ الْحَقُّ لِلْعَبْدِ، وَيَذُوْقُ حَلَاوَةَ الْإِيْمَانِ، ثُمَّ يُفَارِقُهُ إِلَىَ ظُلُمَاتِ الْبَاطِلِ وَالْكُفْرِ وَالْنِّفَاقِ؟!

وَسَبَبُ هَذَا الْإِعْرَاضِ حَظٌّ مِنْ الْدُّنْيَا يُسَيْطِرُ عَلَى الْعَبْدِ فَيُرْدِيهِ؛ كَمَا ذَكَرَ اللهُ تَعَالَىْ خَبَرَ الْمُنْسَلِخِ عَنْ آَيَاتِهِ {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَاقْصُصِ القَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} (الْأَعْرَافِ:175-176).

وَيَكُوْنُ الْإِعْرَاضُ فِيْ بَعْضِ الْأَحْيَانِ عَنْ أَجْزَاءٍ مِنَ الْشَّرِيْعَةِ لَا تُوَافِقُ هَوَى جَمَاعَةٍ أَوْ أَفْرَادٍ، فَيُعْرِضُونَ عَنْ حُكْمٍ لَا يُرِيْدُوْنَهُ، وَيَرُدُّونَ مَا فِيْهِ مِنْ الْأَدِلَّةِ إِمَّا رَدَّاً مُبَاشِرَاً، وَإِمَّا بِتَأْوِيْلِهَا وَتَحْرِيْفِ مَعَانِيْهَا، وَإِمَّا بِضَرْبِ مُحْكَمِهَا بِمُتَشَابِهِهَا.

وَهَذَا سَبَبٌ لِلْخُذْلَانِ وَالانْتِكَاسِ وَالْرَّدَى، وَقَدْ يُؤَدِّي بِصَاحِبِهِ إِلَىَ الِانْسِلَاخِ مِنْ أَحْكَامِ الْشَّرِيِعَةِ فَلَا يَقْبَلُ مِنْهَا إِلَّا مَا وَافَقَ هَوَاهُ، وَيُعْرِضُ عَمَّا لَا يُوَافِقُ هَوَاهُ؛ كَمَا حَصَلَ لِعَبْدٍ أَعْرَضَ عَنْ فَرِيْضَةِ الْزَّكَاةِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تُوَافِقْ خُلُقَ الْبُخْلِ وَالْشُّحِّ عِنْدَهُ، فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبَ نِفَاقِهِ {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللهَ لَئِنْ آَتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آَتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} (الْتَّوْبَةَ:75-77).

وَمِنَ الْنَّاسِ مَنْ يَقْبَلُ حُكْمَ الْشَرِيعَةِ إِنْ كَانَ لَهُ، وَيُعْرِضُ عَنْ حُكْمِهَا إِنْ كَانَ عَلَيْهِ، وَهَذَا أَيْضَاً بَابٌ إِلَى الْنِّفَاقِ {وَإِذَا دُعُوا إِلَى الله وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ * وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ * أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمَ الظَّالِمُونَ} (النور:48-50).

وَتَوَافُرُ الْنِّعَمِ عَلَى الْعِبَادِ سَبَبٌ لِلْإِعْرَاضِ عَنْ عَزَائِمِ الْشَرِيْعَةِ، وَتَتَبُّعِ رُخَصِهَا؛ لِأَنَّ الْأَوَامِرَ وَالَنَّوَاهِيْ مَعَ تَوَافُرِ الْنِّعَمِ ثَقِيْلَةٌ عَلَى الْعِبَادِ؛ فَهِيَ تُحُدُّ كَثِيْراً مِنَ شَهَوَاتِهِمْ، وَتَضْبِطُ تُمَتُعَهُمْ بِمَا أَنْعَمَ اللهُ تَعَالَىْ عَلَيْهِمْ.

وَلِأَنَّ كَثِيْرَاً مِنَ الْعِبَادِ يَلْجَئُوْنَ إِلَىَ الله تَعَالَىْ فِيْ الْشَّدَائِدِ، لَكِنَّهُمْ يَنْسَوْنَهُ فِيْ الْرَّخَاءِ، وَفِيْ هَذَا الْنَّوْعِ مِنَ الْإِعْرَاضِ يَقُوْلُ اللهُ تَعَالَىْ: {وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا} (الإسراء:83) وَفِيْ آَيَةٍ أُخْرَىَ: {وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ} (فصِّلت:51).

وَأَشَدُّ جُرْمَاً مِنْ هَؤُلَاءِ وَأَعْظَمُ إِثْمَاً مَنْ يُعْرِضُوْنَ عَنْ الله تَعَالَىْ حَتَّىَ فِيْ الْشَّدَائِدِ، وَالْعَذَابُ حَرِيٌّ بِأَنْ يَنْزِلَ بِهِمْ كَمَا أَصَابَ مَنْ قَبْلَهُمْ {فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ * فَقُطِعَ دَابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ} (الأنعام:43-45).

نَعُوْذُ بِالله تَعَالَىْ مِنْ الاسْتِدْرَاكِ عَلَىَ دِيْنِهِ، أَوْ الِاعْتِرَاضِ عَلَىَ شَيْءٍ مِنْ شَرِيْعَتِهِ، وَنَسْأَلُهُ سُبْحَانَهُ أَنْ يَرْزُقَنَا الْإِذْعَانَ وَالْقَبْولَ وَالِامْتِثَالَ لِأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الوَهَّابُ} (آل عمران:8).

أَيُّهَا الْمُسْلِمُوْنَ: الْمُتَأَمِّلُ لِأَحْوَالِ الْمُعْرِضِيْنَ عَنِ الله تَعَالَىْ يَجِدُهُمْ عَلَى أَنْوَاعٍ: 

فَمِنْهُمْ مَنْ يُعْرِضُ بِلِسَانِهِ وَقَلْبِهِ عَنْ مَعْرِفَةِ الله تَعَالَىْ وَعُبُوْدِيَّتِهِ، وَالْنَّظَرِ فِيْ آَيَاتِهِ الْكَوْنِيَّةِ أَوْ سَمَاعِ آَيَاتِهِ الْشَّرْعِيَّةِ، وَهُوَ حَالُ أَغْلَبِ الْكُفَّارِ مِنْ شَتَّىْ الْمَلَلِ. وَقَلِيْلٌ مِنْهُمْ مَنْ يَعْلَمُ آَيَاتِ الله تَعَالَىْ فَيُعْرِضُ مَعَ عِلْمِهِ بِهَا، وَهَذَا هُوَ الْجُحُوْدُ الَّذِيْ وَقَعَ فِيْهِ فِرْعَوْنُ فَأَخْبَرَ اللهُ تَعَالَىْ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} (النمل:14).

وَمِنْهُمْ يُظْهِرُ الْقَبُوْلَ لِدِيْنِ الله تَعَالَىْ بِلِسَانِهِ لَكِنَّهُ يَعْتَرِضُ عَلَيْهِ بِقَلْبِهِ، وَيُعْرَفُ ذَلِكَ فِيْ تَصَرُّفَاتِهِ وَلَحْنِ قَوْلِهِ، وَهَذَا حَالُ الْمُنَافِقِيْنَ قَدِيْمَاً وَحَدِيْثَاً، وَكُلَّمَا كَثُرَ اعْتِرَاضُ الْشَّخْصِ عَلَى أَحْكَامِ الْشَّرِيِعَةِ وِرْدِهَا وَتَأْوِيْلِهَا كَانَ ذَلِكَ دَلِيْلاً عَلَىَ مَرَضِ قَلْبِهِ بِالْنِّفَاقِ؛ كَمَا أَخْبَرَ اللهُ تَعَالَىْ عَنْ الْمُنَافِقِيْنَ فِيْ الْعَهْدِ الْنَّبَوِيِّ وَمَيَّزَهُمْ بِكَثْرَةِ اعْتِرَاضَاتِهِمْ عَلَى أَحْكَامِهِ سُبْحَانَهُ وَأَحْكَامِ رَسُوْلِهِ صلى الله عليه وسلم، وَمَنْ قَرَأَ سُوْرَةَ الْتَّوْبَةِ عَرَفَ ذَلِكَ.

وَمِنَ الْنَّاسِ مَنْ يُذْعِنُ بِقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ لِلشَرِيْعَةِ؛ لَكِنَّهُ يَعْتَرِضُ عَلَىَ بَعْضِهَا إِمَّا جَهْلِاً بِأَنَّهُ مِنَ الْشَّرِيِعَةِ، أَوْ لَهَوَىً فِيْ نَفْسِهِ أَوْ تَقْلِيْدَاً لِأَهْلِ الْجَهْلِ وَالْهَوَى، وَهَذَا عَلَى خَطَرٍ عَظِيْمٍ أَنْ يُصَابَ بِفِتْنَةٍ أَوْ عَذَابٍ عَاجِلٍ؛ لِقَوْلِ الله تَعَالَىْ: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (النور:63).

وَمِنَ الْنَّاسِ مَنْ يُعْرِضُ عَنِ الْمَوَاعِظِ وَالتَّذْكِيْرِ، وَيَشْمَئِزُّ مِنْهَا، وَلَا يُحِبُّ الاسْتِمَاعَ إِلَيْهَا، وَهَذَا فِيْ قَلْبِهِ نَوْعٌ مِنْ الْاعْتِرَاضِ عَلَىَ ذِكْرِ الله تَعَالَىْ، وَفِيْهِ شَبَهٌ بِالْمُشْرِكِيْنَ وَالْمُنَافِقِيْنَ، وَيُخْشَى عَلَيْهِ مِنْ سُوْءِ الْعَاقِبَةَ، وَشُؤْمِ الْخَاتِمَةِ، وَقَدْ وَصَفَ اللهُ تَعَالَىْ الْمُشْرِكِيْنَ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: {وَإِذَا ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالآَخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} (الزُّمر:45).

وَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُمْ يَفِرُّوْنَ مِنَ الْمَوَاعِظِ فِرَارَ الْحُمُرَ الْوَحْشِيَّةُ مِنْ رُمَاتِهَا أَوْ مِنَ الْأُسْدِ لِئَلَّا تَفْتَرِسَهَا {فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ * كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ * فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ} (المدَّثر:49-51).

وَالْإِعْرَاضُ عَنِ الْمَوَاعِظِ وَالتَّذْكِيْرِ بِكَلَامِ الله تَعَالَىْ وَكَلَامِ رَسُوْلِهِ صلى الله عليه وسلم سَبَبٌ لِإِعْرَاضِ الله تَعَالَىْ عَنِ الْعَبْدِ؛ كَمَا فِيْ حَدِيْثِ أَبِيْ وَاقِدٍ الْلَّيْثِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُوْلَ الله صلى الله عليه وسلم بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ فِيْ الْمَسْجِدِ وَالْنَّاسُ مَعَهُ إِذْ أَقْبَلَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ فَأَقْبَلَ اثْنَانِ إِلَىَ رَسُوْلِ الله صلى الله عليه وسلم وَذَهَبَ وَاحِدٌ، قَالَ: فَوَقَفَا عَلَى رَسُوْلِ الله صلى الله عليه وسلم فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَرَأَىَ فُرْجَةً فِيْ الْحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيْهَا، وَأَمَّا الْآَخَرُ فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ، وَأَمَّا الْثَّالِثُ فَأَدْبَرَ ذَاهِباً، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُوْلُ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: "أَلَا أُخْبِرُكُمْ عَنْ الْنَّفَرِ الثَّلَاثَةِ؟ أَمَّا أَحَدُهُمْ فَأَوَىَ إِلَىَ الله فَآَوَاهُ اللهُ وَأَمَّا الْآَخَرُ فَاسْتَحْيَا فَاسْتَحْيَا اللهُ مِنْهُ وَأَمَّا الْآَخَرُ فَأَعْرَضَ فَأَعْرَضَ اللهُ عَنْهُ" (رَوَاهُ الْشَّيْخَانِ).

عقوبة الإعراض عن الله تعالى



الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن اقتفى أثره واهتدى بهداه، وبعد:
فإن أعظم سبب للسعادة في الدنيا والآخرة يكمن في الإقبال على الله تعالى، والاستسلام له سبحانه، والانقياد لشريعته، والقبول بأحكامه، والإذعان لأوامره؛ وأعظم سبب للشقاء في الدنيا والعذاب في الآخرة الإعراض عن الله تعالى، والاستنكاف عن عبادته، ورفض الخضوع لشريعته، والاعتراض على أحكامه وأوامره.
ومن قرأ القرآن وجده مليئا بالآيات المحذرة من الإعراض عن دين الله تعالى، والصدود عن سبيله، والاستكبار عن عبادته، والاعتراض على شيء من شريعته، وما يترتب على ذلك من عقوبات شديدة في الدنيا والآخرة على الأفراد والأمم.
فالإعراض عن الله تعالى وعن شريعته سبب لنزول العذاب في الدنيا، ورفع العافية، وإبدال النِّعَمِ نِقَمَاً، كما أخبر الله تعالى عن قوم سبأ وما هم فيه من نعيم الدنيا، ثم تحولت العافية عنهم، وأُبدل حالهم من النعمة إلى النقمة بسبب إعراضهم: {فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ العَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ} (سبأ:16).
وأُمر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يُنذر كفار مكة، بسبب إعراضهم عن الله -تعالى- وعن دينه، ما أصاب الأمم التي قبلهم من العذاب العاجل: {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ} (فصِّلت:13)، وفي آية أخرى {وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ} (هود:3)، وقال تعالى {فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} (الفتح:16).

وأعظم عقوبة دنيوية تصيب أهل الإعراض عن الله تعالى أن يطمس على قلوبهم فلا تعي الذكر، ولا تُبصر الحق، ولا يسير أصحابها فيما ينفعهم، بل يرتكسون في الكفر، ويرتمون في النفاق والاستكبار، ويجادلون بالباطل، وفي هذا يقول الله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآَيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا} (الكهف:57).
فتأملوا -عباد الله- كيف جعل الله تعالى أهل الإعراض أظلم عباده، فلا أحد أشد ظلما منهم، وأخبر -سبحانه- أن قلوبهم مغطاة فلا تفقه التذكير، وأن آذانهم صم عن سماعه، فلا يهتدون بالقرآن مهما دعوا إليه، ومهما ذكروا به؛ وما ذاك إلا عقوبة من الله تعالى لهم على إعراضهم عنه -سبحانه وتعالى-.
فيا لله العظيم! كم في هذه الآية من عبرة عظيمة، وحجة قاطعة على قدرة الله تعالى! فكم يرى الناس من صدود المعرضين عن التذكير، ونفورهم من مواعظ القرآن الكريم، وضيق صدورهم حين يٌذكرون بآياته، فلا يطيقون ذلك ولا يتحملونه، ولا يعون ما فيه ولا يفقهونه، ويعترضون عليه بكلام الخلق، ولولا الأكنة على قلوبهم لتأثروا به واعتبروا واتعظوا.

كم مِن صاحِبِ منكر يجادل عن مُنكَرِه بالباطل، ويسوِّغُه بحجج يعلم أنها متهافتة، وإذا ذكر بآيات الله تعالى التي تثبت أن ما يدعو إليه منكر لا يرضاه الله تعالى؛ ضاق صدره بآيات الله تعالى، ولم يحتمل سماعها، وأعرض عما فيها، وركب هواه، ووالله! ما ذاك إلا إعراضٌ عن الله تعالى وعن أحكامه، عوقب صاحِبُهُ بالخذلان والطغيان.
ومِن عجيب أمر المعْرِضِينَ أنهم قد يعلمون ذلك، ويُدركون أنهم مصروفون عن الحق إلى الباطل، وعن الهدى إلى الضلال، ولكنهم لا يستطيعون اتباع الحق من الخذلان الذي حاق بهم؛ عقوبة لهم على إعراضهم: {فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ * وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آَذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ} (فصِّلت:4-5).
ومن عقوبة الله تعالى للمعرضين عنه سبحانه أنه يعرض عنهم، ويكلهم إلى أنفسهم الأمارة بالسوء، فتزين لهم سوء أعمالهم فتظنه حسنا وهو سيء، فتزداد ضلالا وإعراضا، {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} (النساء:115).
ومعنى: نوله ما تولى، أي: نتركه وشأنه لقلة الاكتراث به، وفي قصة الرجل الذي مر على النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو يذكر الناس فأعرض عن التذكير، وولى مدبرا، قال النبي -صلى الله عليه وسلم- فيه: "وَأَمَّا الْآخَرُ فَأَعْرَضَ فَأَعْرَضَ الله عنه" (رواه الشيخان).
وأما عذاب الآخرة لأهل الإعراض عن الله تعالى وعن شريعته فشديد أليم، قد بينته آيات كثيرة في الكتاب العزيز: {وَقَدْ آَتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا * مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ القِيَامَةِ وِزْرًا * خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ حِمْلًا} (طه:99-101).
والذكر هنا هو القرآن، ومن أعرض عنه فقد أعرض عن الله -تعالى-، فحَذارِ -عباد الله- من الإعراض عن القرآن تلاوة وحفظا، وتدبرا لآياته، وعملا بأحكامه؛ فإن المعرض عنه يحمل يوم القيامة وزرا، ومن يطيق ذلك؟!.
وأهل الإعراض متوعدون بانتقام الله تعالى منهم، وأتعس الناس مَن انتقم الله تعالى منه! {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآَيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ المُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ} (السجدة:22).
وانتقامه -سبحانه- منهم يكون في الدنيا بما يصيبهم في أنفسهم وأهلهم وأموالهم، ويكون في الآخرة بالعذاب الشديد: {وَلَعَذَابُ الآَخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ} (فصِّلت:16)، قال قتادة -رحمه الله تعالى-: إياكم والإعراضَ عن ذكر الله! فإن مَن أعرض عن ذكره فقد اغتر أكبر الغرة، وأعوز أشد العوز. وقال أبو القاسم القشيري -رحمه الله تعالى-: الاستقامة على الطريقة تقتضي إكمالَ النعمةِ، وإكثارَ الراحةِ، والإعراضُ عن الله يُوجِب تَنَغُّصَ العَيْشِ، ودوامَ العقوبة.

وقد يكون الإنسان من أهل الإعراض عن الله تعالى وهو لا يشعر بذلك؛ وذلك بأن يعرض عن شيء من الشريعة يخالف هواه، ويجادل فيه بالباطل ليدحض الحق، فيعاقب على ذلك بفساد قلبه، وارتكاسه في الإثم، ولربما انغمس في النفاق وهو لا يشعر، وقد حذر الله تعالى نبيه من ذلك فقال -سبحانه-: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ} (المائدة:49).
فحذَّر سبحانه من اتباع أهل الهوى في ترك شيء من الشريعة، أو تسويغ باطلهم، وبين تعالى أن من أعرض عن حكم من أحكام الشريعة عوقب على ذلك؛ ومن العقوبة التي تصيبهم بهذا الذنب الخذلان الذي يكون سببا في الصدود عن الحق ورفضه، وتسويغ الباطل وتزيينه للناس، والدعوة إليه؛ ليكون جرم صاحبه مضاعفا، وعذابه أشد، نسأل الله تعالى العافية والسلامة.
وكم من شخص أعرض عن شيء من أحكام الله تعالى موافقةً لهواه أو هوى من يرى مصلحته الدنيوية عنده، فعوقب على ذلك بالنفاق، أو الردة عن الإسلام، حتى قاد ذلك بعضهم إلى القدح في الله تعالى، والإلحاد في أسمائه وصفاته، ومعاداة أوليائه، ومولاة أعدائه، والطعن في دينه، والاستهزاء بشريعته.
والمتتبع لأحوال هؤلاء المناكفين للشريعة يجد أن بدايات هذا الزيغ الذي أصابهم كان إعراضا عن بعض أحكام الله تعالى، تطور إلى اعتراض عليها، ومن ثم استماتة في ردها، مع اتباع المتشابه من النصوص، إلى أن وصل بهم إعراضهم إلى الزيغ والضلال، والاستهانة بالله تعالى، ورفض شريعته، {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضًا} (البقرة:10)، {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ وَاللهُ لَا يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِينَ} (الصَّف:5).

قال أبو حامد الغزالي -رحمه الله تعالى-: ومبدأ البعد من الله هو المعاصي، والإعراض عن الله بالإقبال على الحظوظ العاجلة، والشهوات الحاضرة، لا على الوجه المشروع.
وقال الرازي -رحمه الله تعالى-: مطلع الخيرات، وعنوان السعادات هو الإقبال على الله تعالى، ومطلع الآفات، ورأس المخافات هو الإعراض عن الله تعالى، والبعد عن طاعته، والاجتناب عن خدمته.
ومَن احتسب على أهل الإعراض في إعراضهم عن الله تعالى، ورفضهم لشريعته أو لبعض أحكامها، وأمرهم بتعظيمها والتزامها؛ سلقوه بألسنتهم، وبارزوه بأقلامهم، وأكثروا الطعن فيه، والافتراء عليه؛ وذلك أن الله تعالى يسلطهم على أوليائه جزاء اعتراضهم على شريعته، ومن عادى لله تعالى وليا فقد آذنه بالمحاربة. قال أبو تراب النخشبي -رحمه الله تعالى-: إذا ألِفَ القلبُ الإعراض عن الله صحبه الوقيعة في أولياء الله.
ولكن، إلى أين يفرون من حساب الله تعالى وعذابه؟ وهل يغني عنهم شيئا من كانوا سببا في إعراضهم عن شريعة الله تعالى، واعتراضهم على أحكامه؟ كلا والله! سيتبرأ بعضهم من بعض، سيتبرأ التابع من المتبوع، وسيتبرأ المعرض عن أحكام الله تعالى من المزين له ذلك، والمسوغ له بالمتشابه. {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآَيَاتِ الله وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آَيَاتِنَا سُوءَ العَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ} (الأنعام:157).
ومن العذاب العاجل ما يجدونه في صدورهم من ضيق بالشريعة وأحكامها، ومن ضنك يجعل عيشهم مرّا ولو كانوا في الظاهر منعمين، {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ أَعْمَى} (طه:124).
قال ابن الجوزي -رحمه الله تعالى-: رأيت سبب الهموم والغموم الإعراض عن الله -عز وجل-، والإقبال على الدنيا. وقال ابن القيم -رحمه الله تعالى-: وَمِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ ضِيقِ الصَّدْرِ الْإِعْرَاضُ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى، وَتَعَلُّقُ الْقَلْبِ بِغَيْرِهِ، وَالْغَفْلَةُ عَنْ ذِكْرِهِ، وَمَحَبَّةُ سِوَاهُ؛ فَإِنَّ مَنْ أَحَبَّ شَيْئًا غَيْرَ الله عُذِّبَ بِهِ، وَسُجِنَ قَلْبُهُ فِي مَحَبَّةِ ذَلِكَ الْغَيْرِ، فَمَا فِي الْأَرْضِ أَشْقَى مِنْهُ، وَلَا أَكْسَفُ بَالًا، وَلَا أَنْكَدُ عَيْشًا، وَلَا أَتْعَبُ قَلْبًا.
فالحَذَرَ الحَذَرَ من الإعراض عن الله تعالى، أو الاعتراض على شيء من أحكامه! فإن تبعة ذلك كبيرة، قد تصل بالإنسان إلى شقاء أبدي في الدنيا والآخرة.

نعوذ بالله تعالى من حال المعْرِضين عنه -سبحانه-، ونسأله تعالى دوام الإقبال عليه، والأنس به، والفرح بطاعته، إنه سميع مجيب.

أنوار الليل




الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
إذا أقبل الليل بظلامه وسواده، أقبل عليه الصالحون، يستنبطون من داجية حلكته أنوار الصباح، وينسجون من سواده بُرُد الضياء الوضَّاح، ويصنعون من وحشته الأنس والانشراح، وينطقون صمته المهيب بألسنة فصاح.
واعجباه!! كيف أخرجوا النور من قلب الظلمة، وصاغوا حلل الفجر من خيوط الليل؟!
واعجباه!! كيف حولوا الوحشة إلى أنس، والانقطاع إلى صلة؟!
يا ترى، أي سر كشفوه في الليل حتى أحبوه وعشقوه وفضلوا ظلمته على وضح النهار؟! حتى إن سليمان الداراني ليقول: (لولا الليل ما أحببت البقاء في الدنيا). ويقول علي بن بكار: (منذ أربعين سنة ما أحزنني إلا طلوع الفجر). ويقول السري: (رأيت الفوائد ترد في ظلم الليل). ويقول الأوزاعي: (كان السلف إذا انصدع الفجر أو قبله بشيء قليل كأن على رؤوسهم الطير مقبلين على أنفسهم، حتى لو أن حميمًا لأحدهم قد غاب عنه حينًا ثم قدم ما التفت إليه).
ترى أي أسرار كانت لهم في الليل؟! أي نجاوى كانت تحملهم على بساطه إلى آفاق رحبة ينقطعون فيها عن دنيا الناس ليعيشوا مع رب الناس؟!
قلت لليل: كم بصدرك سر *** أخبرني ما أروع الأسرار؟!قال: ما ضاء في ظلامي سر *** كدموع المنيب في الأسحار
نعم، هذه هي أسرار الليل التي هدوا إليها، إنها صلاة المصلين، ودموع الباكين، ومناجاة الخاشعين، إنها زفرات المذنبين، وآهات التائبين، وأنين المستغفرين، إنها دعاء المخبتين، ومناجاة المحبين، ووجد المشتاقين.

بكى أبو سليمان يومًا فقال له ابن أبي الحواري: ما يبكيك؟! قال: (ويحك -يا أحمد-!! كيف لا أبكي وقد بلغني أنه إذا جن الليل، وهدأت العيون، وخلا كل خليل بخليله، واستنارت قلوب العارفين، وارتفعت هممهم إلى ذي العرش، وافترش أهل المحبة أقدامهم بين يدي مليكهم في مناجاته، ورددوا كلامه بأصوات محزونة، جرت دموعهم على خدودهم، وتقطرت في محاريبهم خوفًا واشتياقًا، فأشرف عليهم الجليل -جل جلاله- فنظر إليهم، فأمدهم مهابة وسرورًا، وقال: يا جبريل: نادِ فيهم: ما هذا البكاء الذي أسمع؟! وما هذا التضرع الذي أرى منكم؟! هل سمعتم أو أخبركم عني أحد أن حبيبًا يعذب أحباءه؟! أو ما علمتم أني كريم؟! فكيف لا أرضى؟! أيشبه كرمي أن أرد قومًا قصدوني؟! أم كيف أذل قومًا تعززوا بي؟! أم كيف أحجب غدًا أقوامًا آثروني على جميع خلقي وعلى أنفسهم وتنعموا بذكري؟! فبي حلفت لأبعدن الوحشة عن قلوبهم، ولأكونن أنيسهم إلى أن يلقوني، فإذا قدموا عليّ يوم القيامة فإن أول هديتي إليهم أن أكشف لهم عن وجهي حتى ينظروا إليّ وأنظر إليهم، ثم لهم عندي ما لا يعلمه غيري!!). ثم قال الداراني: (يا أحمد: إن فاتني ما ذكرت لك فيحق لي أن أبكي دمًا بعد الدموع). (رهبان الليل ص520).
فيا حسنهم والليل قد أقبل بحنادس ظلمته، وهدأت عنهم أصوات خليقته، وقدموا إلى سيدهم الذي له يأملون، فلو رأيت -أيها البطال- أحدهم وقد قام إلى صلاته وقراءته، فلما وقف في محرابه واستفتح كلام سيده خطر على قلبه أن ذلك المقام هو المقام الذي يقوم فيه الناس لرب العالمين، فانخلع قلبه وذهل عقله!
قد هدّ أجسامهم الوعيد وغير ألوانهم السهر الشديد، يتلذذون بكلام الرحمن، ينوحون به على أنفسهم نوح الحمام، يرون أن من أعظم نعم محبوبهم عليهم أن أقامهم وأنام غيرهم، واستزارهم وطرد غيرهم، وأهلهم وحرم غيرهم.
قد يئسوا من الدنيا ويئست منهم، فلو رأيتهم لرأيت رجالاً إذا جنهم الليل مزقوه بسكاكين السهر، إن القوم أعطوا المجهود من أنفسهم، فلما دبرت المفاصل من الركوع، وقرحت الجباه من السجود، وتغيرت الألوان من السهر، ضجوا إلى الله بالاستغاثة، فهم أحلاف اجتهاد لا يسكنون إلى غير الرحمن: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً} (السجدة:16).
بكى الباكـون للرحمن ليلاً *** وباتوا دمعهم لا يسأمونا
بقاع الأرض من شوق إليهم *** تحن متى عليها يسجدونا

فلما علم الله صدق همتهم، وصفاء نيتهم، جعل لهم نورًا يمشون به في الناس؛ قيل للحسن البصري: ما بال المتهجدين بالليل من أحسن الناس وجوهًا؟! قال: (لأنهم خلوا بنور الرحمن فألبسهم نورًا من نوره).
وقال عبد العزيز بن عمير: (إن الرجل لينقطع إلى بعض ملوك أهل الدنيا فيرى أثره عليه، فكيف بمن ينقطع إلى الله -عز وجل- كيف لا يرى أثره عليه؟!).
لقد سمعوا نداء الله حين يتنزل في الثلث الأخير ويقول: "هل من مستغفر؟! هل من تائب؟! هل من سائل؟! هل من داع؟! حتى ينفجر الفجر"، فاستحوا أن لا يجيبوا خالقهم ومولاهم.
أخذ الفضيل بن عياض بيد الحسين بن زياد وقال: (يا حسين: ينزل الله كل ليلة إلى سماء الدنيا فيقول الرب: كذب من ادعى محبتي فإذا جنه الليل نام عني؟! أليس كل حبيب يحب خلوة حبيبه؟! ها أنا ذا مطّلع على أحبائي إذا جنهم الليل، غدًا أقر أعينهم في جناتي).
وقال سفيان الثوري: (بلغنا أنه إذا كان أول الليل نادى منادٍ: ألا ليقم العابدون، قال: فيقومون فيصلون ما شاء الله، ثم ينادي في وسط الليل: ألا ليقم القانتون، قال: فيقومون كذلك يصلون إلى السحر). قال: (فإذا كان السحر نادى منادٍ: أين المستغفرون؟! قال: فيستغفر أولئك ويقوم آخرون يصلون، فإذا طلع الفجر نادى منادٍ ألا ليقم الغافلون، فيقومون من فرشهم كالموتى نشروا من قبورهم).
وقال ابن مسعود: (حسب الرجل من الخيبة والشر أن ينام حتى يصبح وقد بال الشيطان في أذنه).
لقد أبوا أن يبول الشيطان في آذانهم، وقالوا مع نبيهم: "مضى عهد النوم يا خديجة"، وشمروا عن ساعد الجد ليزاحموا أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- بالركب، وجعلوا من دموعهم رسائل إلى ربهم.
{كَانُواْ قَلِيلاً مّن الَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالأسْحَـارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} (الذاريات:17-18).
إذا ما الليل أظلم كابـدوه *** فيسـفر عنهم وهـم ركـوعُ
أطار الخوف نومهمُ فقامـوا *** وأهـل الأمن في الدنيا هجوعُ
لهم تحت الظلام وهم سجود *** أنين منـه تنفـرج الضلـوع

قال أبو الزناد: (كنت أخرج من السحر إلى مسجد النبي -صلى الله عليه وسلم-، فلا أمرُّ ببيت إلا وفيه قارئ، وكنا ونحن فتيان نريد أن نخرج لحاجة فنقول: موعدكم قيام القراء).
قال الحسن بن عرفة ليزيد بن هارون: (يا أبا خالد: ما فعلت العينان الجميلتان؟! قال: ذهب بهما بكاء الأسحار!).
وقال الحسن: (كان عمر -رضي الله عنه- يمر بالآية من ورده بالليل فيبكي حتى يسقط، ويبقى في البيت يعاد للمرض).
وكان ابن عمر يحيي الليل صلاة ثم يقول: (يا نافع: أسحرنا؟! فيقول: لا، فيعاود، فإذا قال: نعم، قعد يستغفر الله حتى يصبح).
وكان عتبة الغلام يقول في ليله على ساحل البحر: (إن تعذبني فإني لك محب، وإن ترحمني فإني لك محب، فلم يزل يرددها ويبكي حتى يصبح).
رجع أبو ريحانة من بعث غزا فيه، فلما انصرف أتى أهله فتعشى، ثم دعا بوضوء فتوضأ، ثم قام إلى مسجده فقرأ سورة ثم أخرى، فلم يزل مكانه حتى أذّن المؤذن، فأتته امرأته فقالت: (قد غزوت فتعبت، ثم قدمت إليّ ولم يكن لي منك نصيب! فقال: بلى، لو ذكرتني لكان لك عليّ حق. قالت: فما الذي يشغلك يا أبا ريحانة؟! قال: لم يزل يهوى قلبي فيما وصف الله في جنته حتى سمعت المؤذن!!).

كان ثابت يقوم من الليل، فإذا أصبح يأخذ قدميه فيعصرهما ويقول: مضى العابدون وقطع بي! وا لهفاه!
ثابت بن أسلم البناني كان يقوم الليل خمسين سنة، فإذا كان السَّحَر قال في دعائه: (اللهم إن كنت أعطيت أحدًا من خلقك الصلاة في قبره فأعطنيها).
وكانت لداود ركعة من الليل يبكي فيها نفسه، ويبكي ببكائه كل شيء، ويصرف بصوته الهموم والأحزان.
نزف البكاء دموع عينك فاستعر *** عينًا لغيرك دمعها مـدرار
من ذا يعيرك عينـه تبكي بهـا *** أرأيت عينـًا للبكـاء تُعارُوكانت حبيبة العدوية إذا صلت العتمة قامت فقالت: (إلهي: غارت النجوم ونامت العيون، وغلقت الملوك أبوابها وبابك مفتوح، وخلا كل حبيب بحبيبه، وهذا مقامي بين يديك، ثم تصلي، فإذا كان السحر قالت: اللهم هذا الليل قد أدبر، وهذا النهار قد أسفر، فليت شعري هل قبلت مني ليلتي فأُهَنَّى أم رددتها عليّ فأُعَزَّى؟!).
ورُوي عن طلق أنه كان إذا قام من الليل لا يركع إذا افتتح سورة البقرة حتى يبلغ العنكبوت، وكان يقول: (أشتهي أن أقوم حتى يشتكي صلبي!).
هكذا إذا عرفوا أسرار الليل وعاشوا صفاءه وجماله، فكانوا يتهيؤون له ويستقبلونه بأحسن ما عندهم.
كان لعمرو بن الأسود حلة بمائتي درهم يلبسها إذا قام إلى صلاة الليل.
كان أبو حنيفة إذا أراد أن يصلي من الليل تزين حتى يسرح لحيته.
كان تميم الداري إذا قام من الليل تطيب بالغالية، واشترى حلة بألف كان يصلي فيها.
وهكذا عرفوا أسرار الليل وعاشوا صفاءه وجماله، فلم يعدلوا به شيئًا، ولئن توهم متوهم جنته في دنياه ومتاعه فإن جنة المؤمن في محرابه، كان عبد العزيز بن أبي رواد يفرش له الفراش فيضع يده عليه ويقول: (ما ألينك!! ولكن فراش الجنة ألين منك، ثم يقوم إلى صلاته).
قيل لحسان بن أبي سنان في مرضه: (ما تشتهي؟! قال: ليلة بعيدة ما بين الطرفين أحيي ما بين طرفيها).
بكى أبو الشعثاء عند موته فقيل له: ما يبكيك؟! فقال: (لم أشتف من قيام الليل!!).
فيا لشوقٍ عَمَر قلوبهم!! ويا لأسرار تكشفت لهم في ذلك الليل فأسهرتهم حين نام الغافلون، وأشجتهم حين غفل الخليون!!

وعن إياس بن معاوية أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "لابد من صلاة بليل ولو حلب شاة". (رواه الطبراني وضعفه الألباني).
وفي الحديث الحسن أن جبريل قال للنبي -صلى الله عليه وسلم-: "واعلم أن شرف المؤمن قيام الليل". (الطبراني بسند حسن).
واسمع لتعجب، عن أبي الدرداء عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "ثلاثة يحبهم الله ويضحك إليهم ويستبشر بهم… والذي له امرأة حسنة وفراش لين حسن فيقوم لله، فيقول: يذر شهوته ويذكرني، ولو شاء رقد، والذي إذا كان في سفر وكان معه ركب فسهروا ثم هجعوا، فقام من السحر في سراء وضراء". (الطبراني بإسناد حسن).

أي أخي: لو سرت عن هواك خطوات لاحت لك الخيام، ولو هجرت فراشك من الليل لاستقبلتك الحور العين، ولو صدقت العزم لأقامك الله بين يديه في الليل،غفلنا عن دأب الصالحين فضاع علينا ثواب الصالحين، وغلفنا قلوبنا بالمعاصي النكر، فضاعت علينا أسرار الليل ونسائم السحر.
ويا أيها الشاب: وهبك الله القوة والعزم، فأين جزاء الشاكرين؟! قال محمد بن يوسف: (كان الثوري يقيمنا الليل فيقول: قوموا يا شباب، صلوا ما دمتم شبابًا، إذا لم تصلوا اليوم فمتى؟!).
عن سالم عن أبيه قال: (أول ما ينقص من العبادة التهجد بالليل، ورفع الصوت فيها بالقراءة).
كان مخلد بن الحسين يقول: (ما انتبهت من الليل إلا أصبت إبراهيم بن أدهم يذكر الله فأغتم! ثم أتعزى بقوله: {ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء} (المائدة:54).
فاللهم إنا نسألك من فضلك العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وآله وصحبه والتابعين، وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين.

الاستقامة على الطاعة




الحمد لله والصلاة والسلام على نبيه ومصطفاه محمد بن عبد الله وآله وصحبه ومن والاه ، وبعد:
روى الإمام مسلم في صحيحه عن سفيان بن عبد الله الثّقفيّ قال: قلت: يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا غيرك، قال صلى الله عليه وسلم: "قل: آمنت بالله، ثمّ استقم".
الاستقامة كلمة جامعة، تأخذ بمجامع الدّين والدّنيا، وتتحقّق بها معالي الأمور، وأعلى الدّرجات والأجور، وبها يكمل الإيمان، ويضمن الأمن يوم البعث والنّشور، وتعمّ الخيرات والبركات، ويسعد الأفراد والمجتمعات، إنّها خصلة من أعظم خصال السّائرين إلى الله تعالى، وأجلّ مدارج السّالكين بين منازل إيّاك نعبد وإيّاك نستعين، ينال المرء بها الكرامات، ويصل إلى أعلى المقامات، ويعيش برد اليقين، ويحوز على مرضاة ربّ العالمين.
إنّها اتّباع الدّين القويم بفعل الطّاعات واجتناب المحرّمات، ولزوم الصّراط المستقيم برعاية حدّ الوسط في كلّ أمر من أمور الحياة، والقيام بين يدي الله بما أمر، والالتزام بالصّدق في القول والعمل، والوفاء بكلّ المواثيق والعهود، فالإسلام إيمان بالله وحده دون سواه، ثمّ استقامة على منهج الله وشرعه من غير تغيير أو تبديل أو تقصير؛ على حدّ قول الحقّ سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (الأحقاف:13-14).
قال أبو بكر الصّدّيق -رضي الله عنه-: لم يشركوا بالله شيئا، ولم يلتفتوا إلى إله غيره، ثمّ استقاموا على أنّ الله ربّهم. ويقول الحسن البصريّ -رحمه الله-: استقاموا على أمر الله، فعملوا بطاعته واجتنبوا معصيته. ويقول عمر بن الخطّاب -رضي الله عنه-: الاستقامة أن تستقيم على الأمر والنّهي، ولا تروغ روغان الثّعلب. يريد بذلك أنّ المستقيمين يلتزمون بالاستقامة دائما في جميع أحوالهم وأوقاتهم وليس وقتا دون وقت؛ ولذا قال شيخ الإسلام ابن تيميّة -رحمه الله-: أعظم الكرامة لزوم الاستقامة.

وأصحاب الاستقامة جمعوا بين أصلي الكمال في الإسلام: الإيمان بالله تعالى، والاستقامة على ذلك، فالإيمان كمال في القلب بمعرفة الحقّ والسّير عليه، معرفة بمقام الرّبوبيّة والألوهيّة، معرفة بالله تعالى ربّا حكيما، وإلها مدبّرا، معظّما في أمره ونهيه، قد عمرت قلوبهم بخوفه ومراقبته، وامتلأت نفوسهم خشية وإجلالا، ومهابة ومحبّة، وتوكّلا ورجاء، وإنابة ودعاء، أخلصوا لله في القصد والإرادة، ونبذوا الشّرك كلّه، وتبرّؤوا من التّعلّق بغير الله ربّهم، ثمّ استقاموا على ذلك، دون تفريط أو إفراط، فإذا تمكّن ذلك من العبد ظهر في سلوكه طمأنينة في النّفس، ورقّة في القلب، وقرب من الرّبّ -سبحانه وتعالى-.
سئل الصّدّيق -رضي الله عنه- عن الاستقامة فقال: أن لاّ تشرك بالله شيئا. يريد: الاستقامة على محض التّوحيد والإيمان. وقال بعض السّلف: ما أمر الله تعالى بأمر إلاّ وللشّيطان فيه نزعتان: إمّا إلى تفريط، وإمّا إلى مجاوزة وهي الإفراط، ولا يبالي بأيّهما ظفر زيادة أو نقصان.

أيّها المسلمون: بالاستقامة يجد المسلم حلاوة الإيمان، وطمأنينة القلب، وراحة النّفس والبال؛ {أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} (الزمر:22)، {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (الأنعام:122).
وما أجمل الاستقامة على العمل الصّالح، والتّوبة والإنابة، والازدياد من الباقيات الصّالحات! وما أعظمها حين تكون بعد الطّاعة! فهذه حال المؤمن الصّادق في إيمانه، الذي لا يغترّ بما قدّم من عمل، ولا يركن إلاّ إلى رحمة الله تعالى وفضله؛ لأنّه يعلم أنّ عمله في جنب معاصيه وغفلته عن الله تعالى قليل، وأنّه مهما عمل في جنب نعم الله عليه وفضله وإحسانه وستره فلن يوفّي ذلك كلّه بعض حقّه، وأنّ الله تعالى إنّما يتقبّل من المتّقين؛ { إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (57) وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (58) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (59) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (60) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} (المؤمنون:57-61).

وفي الصّحيحين من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أنّ رسول الله قال صلى الله عليه وسلم: "لن ينجّي أحدا منكم عمله"، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: "ولا أنا، إلاّ أن يتغمّدني الله برحمة منه وفضل، فسدّدوا وقاربوا، واغدوا وروحوا، وشيء من الدّلجة، والقصد القصد تبلغوا"؛ ولأجل هذا فقد أرشد النبيّ الكريم –صلى الله عليه وسلم- أمّته بقوله: "استقيموا ولن تحصوا" (رواه مسلم)، وبقوله –صلى الله عليه وسلم-: "سدّدوا وقاربوا" (متفق عليه). والسّداد هو حقيقة الاستقامة، وهو الإصابة في جميع الأقوال والأعمال والمقاصد؛ وأعظم من ذلك وأجلّ قول الحقّ تعالى: {فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ} (فصلت من الآية:6). وهو توجيه إلهيّ كريم لجبر ما قد يحصل من ضعف بشريّ، وقصور إنسانيّ.

لقد أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام -رضي الله عنهم- بالاستقامة، وهو صفوة الخلق، وهم أفضل الأمّة، قال سبحانه: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (112) وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ} (هود:112-113). قال ابن عبّاس رضي الله عنهما: ما أنزل على رسول الله –صلى الله عليه وسلم- في جميع القرآن آية كانت أشدّ ولا أشقّ عليه من هذه الآية. وعن الحسن قال: لمّا أنزلت هذه الآية شمّر رسول الله –صلى الله عليه وسلم- للعبادة، فما رئي ضاحكا، وقال لأصحابه حين أسرع إليه الشّيب: "شيّبتني هود وأخواتها"، يعني قوله تعالى: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}".
ولقد كان المصطفى –صلى الله عليه وسلم- قرآنا يمشي على الأرض؛ تقول عائشة -رضي الله عنها- حين سئلت عن خلقه –صلى الله عليه وسلم-: كان خلقه القرآن، أما تقرأ القرآن: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} (القلم:4)؟! (رواه أحمد). وكان أكثر دعائه –صلى الله عليه وسلم-: "يا مقلّب القلوب ثبّت قلبي على دينك" (رواه أحمد والترمذيّ وحسّنه).
وقال عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-: خطّ لنا رسول الله –صلى الله عليه وسلم- خطّا، ثمّ قال: "هذا سبيل الله"، ثمّ خطّ خطوطا عن يمينه وعن شماله، ثمّ قال: "هذه سبل (متفرّقة)على كلّ سبيل منها شيطان يدعو إليه"، ثمّ قرأ {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (الأنعام:153). (رواه أحمد والدّارميّ والحاكم بإسناد صحيح).

وهذه السّبل التي وصفها رسول الله صلى الله عليه وسلم على كلّ واحد منها شيطان يدعو إليه من شياطين الجنّ والإنس، وما أكثرهم في هذا الزّمان! الذين يدعون إلى مخالفة صراط الله المستقيم بكلّ وسيلة، ويزيّنون الابتعاد عنه بكلّ طريقة، يدعون إلى الطّرق المنحرفة، والسّبل الملتوية، وهؤلاء كلّهم دعاة على أبواب جهنّم، من أجابهم قذفوه فيها، والنّار حفّت بالشّهوات، وما أكثر من يستجيب لهم من ضعاف الإيمان!.
لكنّ المسلم المستقيم على أمر الله تعالى لا يأبه بهم، ولا يركن إليهم، ولا يستجيب لهم، بل يتّبع أمر الله ورسوله، ويحكّمهما في جميع أموره، ويتمسّك بكتاب الله تعالى وسنّة رسوله صلى الله عليه وسلم، ويعضّ عليهما بالنّواجذ في زمن الشّهوات والشّبهات، فيصلح حين يفسد النّاس، ويصلح ما أفسد الناس، ويقبض على الجمر حين يتذرّع النّاس بالشّهوات والمغريات؛ حينها تعظم الاستقامة أجرا وتسمو قدرا.
وقد صحّ عند التّرمذيّ من حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه- أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "يأتي على النّاس زمان الصّابر فيهم على دينه كالقابض على الجمر"، وروى مسلم في صحيحه عن ثوبان -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله: صلى الله عليه وسلم: "لا تزال طائفة من أمّتي ظاهرين على الحقّ لا يضرّهم من خذلهم حتّى يأتي أمر الله وهم كذلك"، وعن تميم الدّاريّ -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ليبلغنّ هذا الأمر ما بلغ اللّيل والنّهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلاّ أدخله الله هذا الدّين بعزّ عزيز أو بذلّ ذليل؛ عزّا يعزّ الله به الإسلام، وذلاّ يذلّ الله به الكفر". (رواه أحمد).
إنّ الاستقامة على دين الله تعالى ثبات ورجولة، وانتصار وفوز في معركةٍ بين الطّاعات وبين الأهواء والرّغبات والشّهوات، ولذلك استحقّ الذين استقاموا أن تتنزّل عليهم الملائكة في الحياة الدّنيا؛ لتطرد عنهم الخوف والحزن، وتبشّرهم بالجنّة، ويعلنوا وقوفهم إلى جانبهم في الدّنيا والآخرة، {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (31) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ} (فصلت:30-32).
ثمّ اعلموا -رحمكم الله- أنّ الاستقامة منزلة شاقّة تحتاج النّفس معها إلى المراقبة والملاحظة والأطر على الحقّ والعدل، والبعد عن الهوى والمجاوزة والطّغيان، فالكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمّنى على الله الأمانيّ.
ومدار الاستقامة في الدّين على أمرين عظيمين هما: حفظ القلب ، وحفظ اللّسان، فمتى استقاما استقامت سائر الأعضاء، وصلح الإنسان في سلوكه وحركاته وسكناته، ومتى اعوجّا وفسدا فسد الإنسان وضلّت أعضاؤه جميعا، وفي الصّحيحين أنّه صلى الله عليه وسلم قال: "ألا وإنّ في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كلّه، وإذا فسدت فسد الجسد كلّه؛ ألا وهي القلب"، وعند الإمام أحمد من حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه- أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "لا يستقيم إيمان عبد حتّى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتّى يستقيم لسانه، ولا يدخل رجل الجنّة لا يأمن جاره بوائقه".

إنّ الاستقامة على منهج الله ليست أمرا محالا، ولا أمنية وادّعاء ،ولا رهبانيّة مبتدعة كما يتوهّمه بعض النّاس، ولكنّها استقامة على الأمر بالامتثال، وعلى النّهي بالاجتناب، فقد روى البخاريّ ومسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنّ أعرابيّا أتى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: دلّني على عمل إذا عملته دخلت الجنّة. قال: "تعبد الله لا تشرك به شيئا، وتقيم الصّلاة المكتوبة، وتؤدّي الزّكاة المفروضة، وتصوم رمضان". قال: والّذي نفسي بيده، لا أزيد على هذا، فلمّا ولّى قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "من سرّه أن ينظر إلى رجل من أهل الجنّة فلينظر إلى هذا".
إنّ الاستقامة الحقّة -عباد الله- هي سلوك طريق أهل السّنّة والجماعة، طريق الطّائفة المنصورة والفرقة النّاجية، أهل العقيدة الصّافية، والمنهج السّليم، أتباع السّنّة والدّليل، والتّميّز عن أعداء الله، ومفارقة أهل الباطل، ومجانبة أهل الأهواء والبدع والشّهوات؛ روى التّرمذيّ بسند صحيح أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنّ بني إسرائيل تفرّقت على ثنتين وسبعين ملّة، وتفترق أمّتي على ثلاث وسبعين ملّة، كلّهم في النّار إلاّ ملّة واحدة"، قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: "ما أنا عليه وأصحابي".
نسأل الله تعالى أن يرزقنا الاستقامة وأن يثبتنا على دينه حتى نلقاه وهو تعالى راض عنا، وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين.

ظهور المغنيات وانتظار الفتن






الحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله محمد وآله وصحبه ومن اهتدى بهداه
أما بعد: فإن الله -سبحانه وتعالى- جعل القلب قائداً للبدن، ولما كان القلب للبدن كالملك، والأعضاء جنود تأتمر بأمره، كانت المحافظة على القلب في غاية الأهمية؛ لأن هذا القلب إذا صار سليماً نقياً معموراً بذكر الله استقامت حال الإنسان، وإذا صار القلب مدنساً ملطخاً فيه نكتةٌ سوداء جرّاء المعصية تتبعها نكتةٌ أخرى حتى يصبح أسود مقلوباً منكوساً، لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً. وحتى يكون القلب مطمئناً فلا بد من المحافظة عليه، ومراقبة ما يدخل إليه.

وأعظم طريقٍ للقلب هو السمع، والقلوب والسرائر خزائن، ولا منفذ للقلوب إلا من دهليز السماع، والسماع للقلب محكٌّ صادق، ومعيارٌ ناطق، وقد قال -تعالى-: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} (قّ:37).
وهذا السمع عظيم، وخطره جسيم، وأول ما ينبغي أن يطرق سمع المولود ذكر الله -تعالى-، {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ} (النحل:78)، قدّم السمع على البصر.
وكذلك في قوله: {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً} (الاسراء:36)، وفي قوله: {وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَةً} (الأحقاف:26)، وفي قوله: {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ} (المؤمنون:78). وكان من دعائه -صلى الله عليه وسلم-: "سجد وجهي لمن خلقه، وشق سمعه وبصره بحوله وقوته" (رواه مسلم).
وقد قال الله -سبحانه وتعالى-: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} (لقمان:6)، فذكر -تعالى- الذين يهتدون بكتابه، وعطف بعد ذلك بذكر حال الأشقياء الذين أعرضوا عن الانتفاع بسماع كلامه، وأقبلوا على سماع ما يضرّ. قال ابن كثيرٍ -رحمه الله- في تفسير الآية: "عطف بذكر حال الأشقياء الذين أعرضوا عن الانتفاع بسماع كلام الله، وأقبلوا على استماع المزامير والغناء بالألحان وآلات الطرب".

وقد جاء عن ابن عباس -رضي الله عنه- في تفسير لهْو الحديث: (هو الباطل والغناء)، وقد سُئل ابن مسعود -رضي الله عنه- عن الآية فقال: (الغناء والله الذي لا إله إلا هو). يعني هو لهو الحديث المذكور في الآية. ردّدها ثلاث مرات. 
وكذلك قال العلماء في قوله -تعالى-: {وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ} (الإسراء:64). فما هو صوت الشيطان؟ قال العلماء: اللهو والغناء. هذا عن مجاهد وغيره من أهل العلم.
وقال -تعالى- موبّخاً للكفرة: {أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ * وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ} (النجم:59-61). قال عكرمة عن ابن عباس: "السُّمود لغةٌ يمانية يعني الغناء، يقال: اسمدي لنا، أي غني لنا".
فهذا الغناء إذاً هو صوت الشيطان، وهو الغناء الذي انشغل به الكفّار وعكفوا عليه: {وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ}(لنجم:61). وهو لهو الحديث الذي يُضل عن سبيل الله.

وقد أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- عن وعيد قومٍ فقال: "ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير، والخمر والمعازف، ولينزلن أقوامٌ إلى جنب علمٍ يروح عليهم بسارحةٍ لهم، يأتيهم -يعني الفقير لحاجة- فيقولون: ارجع إلينا غداً، فيبيتهم الله، ويضع العلم، ويمسخ آخرين قردةً وخنازير إلى يوم القيامة".
فهذه المعازف جمع معزفة وهي الآلة التي يُعزف بها، وقد دل الحديث على تحريم المعازف من وجهين :
 أولهما: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "يستحلونه"، فإنه صريحٌ بأن المذكورات -ومنها المعازف- محرمةٌ في الشرع. 
وثانيهما: أنه قرن المعازف بما حُرمته معلومة بالضرورة، وهو الزنا والخمر. ولو لم تكن المعازف محرمة لما قرنها بهذه المحرمات. أخبرنا عن قومٍ يستحلون الحِرَ: يعني الفرج، وهو الزنا. والحرير: للرجال هو محرم. والمعازف: آلات الملاهي، أصوات الملاهي والمعازف. هؤلاء سينزل منهم أقوامٌ إلى جنب علم، قيل: الجبل العالي، وقيل البناء العالي. يروح عليهم: أي الراعي، بسارحةٍ: يعني من غنمٍ ونحوه، فيأيتهم الفقير يقولون: تعال غداً. فماذا يحدث في الليل؟ يبيتهم الله: يهلكهم ليلاً، والتبييت هو هجوم العدو بالليل. ويضع العلم: أي يوقع عليهم البناء، أو يوقع عليهم الجبل، فيدكدكه فوقهم، ويمسخ آخرين قردةً وخنازير؛ فمن لم يهلك بهذا الهدم فوق رأسه مُسخَ قرداً أو خنزيراً. فهذا يدلّ على خطورة الاستماع إلى المعازف واستحلالها واعتقاد حلها وهي حرام.
وقد أخذ النبي -صلى الله عليه وسلم- بيد عبد الرحمن بن عوف فانطلق به إلى ابنه إبراهيم، فوجده يجود بنفسه، فأخذه النبي -صلى الله عليه وسلم- فوضعه بحجره فبكى، فقال له عبد الرحمن: أتبكي؟ أولم تكن نهيت عن البكاء؟ قال -عليه الصلاة والسلام-: "لا، ولكن نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت عند مصيبة -وهو النياحة- خمش وجوهٍ وشق جيوبٍ، ورنة شيطان" رواه الترمذي وهو حديثٌ حسن. فسمّى الغناء رنّة الشيطان وسماه صوتاً أحمق.
وعن أنس -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "صوتان ملعونان في الدنيا والآخرة: مزمارٌ عند نعمة، ورنةٌ عند مصيبة" رواه البزار، وهو حديثٌ حسن. وهذا يدل على أن صوت المزمار وهو من آلات العزف محرم.
وقال -عليه الصلاة والسلام-: "صوتان ملعونان في الدنيا والآخرة". فهذا يدل بلا شكٍ على حرمته.

وعن عبد الله بن عمروٍ -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نهى عن الخمر والميسر والكوبة والغُبيْراء وقال: "كل مسكرٍ حرام". قال سفيان -الراوي- لشيخه: ما الكوبة؟ قال: الطبل. فإذاً؛ نهى عن الخمر والميسر والطبل والغبيراء وقال: "كل مسكرٍ حرام". رواه أبو داود وأحمد، وهو حديثٌ صحيح. وفي عون المعبود: الكوبة تُفَسَّر: بالطبل. والغبيراء: نوع من الشراب من الذرة مثل الخمر لا فرق بينه وبينها في التحريم.
وعن عِمرانَ بن حصين أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "في هذه الأمة خسفٌ ومسخٌ وقذفٌ". خسف بالأرض. مسخ: من الهيئة البشرية إلى شكل القرد والخنزير. وقذفٌ: بشيءٍ من السماء كالحجارة. يُقذفون، ويُخسف بهم ويمسخون، قال رجل من المسلمين: يا رسول الله، ومتى ذلك؟ قال: "إذا ظهرت القينات والمعازف وشربت الخمور" رواه الترمذي وهو حديثٌ صحيح. القينات يعني المغنيات. المعازف: الآلات الموسيقية.
لقد ظهرت القينات والمغنيات والمعازف في عصرنا بهذه القنوات الفضائية ومواقع الإنترنت والأسطوانات الموزعة في كل حدبٍ وصوب وموجات الإذاعات، ظهرت ظهورا لم تظهر في العالم بمثله من قبل، لا يوجد أي وقت من الأوقات في العالم سابقاً ظهرت القينات والمغنيات والمعازف مثل الظهور الذي يحصل الآن؛ ولذلك بقي نزول العذاب: خسفٌ، ومسخٌ، وقذفٌ، فهو حديثٌ صحيح رواه الترمذي، وهذا وحيٌ، فلا بد أن تسمع يوماً أو يسمع من بعدك -يا عبد الله- بخسفٍ ومسخٍ وقذفٍ؛ لأن القينات والمعازف قد ظهرت فاستُجلب سبب العذاب بهذا الظهور والإعلان على الملأ.

وجاء عن عائشة -رضي الله عنه- أن بنات أخيها خُفِضنَ: يعني خُتِنَّ. فألِمنَ. أصابهن الألم نتيجة الختان، والختان مستحبٌ للمرأة وليس بواجب، فقيل لعائشة: يا أم المؤمنين، ألا ندعو لهن من يلهيهن؟ قالت: بلى، فأرسلوا إلى فلان، أحد المنشدين، فأتاهم، ليس معه معازف، يغني بصوته فقط. فمرّت به عائشة -رضي الله عنها- في البيت فرأته يتغنّى ويحرك رأسه طرباً، وكان ذا شعرٍ كثير، رأته يتغنّى ويحرّك رأسه طرباً كما يفعل بعض المنشدين الآن في مهرجانات الأناشيد التي يسمونها إسلامية والإسلام بريء منها ومنهم، يتغنّى ويحرك رأسه طرباً، هذا ما معه معازف، هذا يحرّك رأسه طرباً، القضية فيها طرب، فيها طرب ونشوة، وكان ذا شعرٍ كثير،فرأته عائشة يتغنى ويحرك رأسه طرباً، وكان ذا شعرٍ كثير. فقالت عائشة -رضي الله عنها-: "أف! شيطان! أخرجوه! أخرجوه!"؛ فأخرجوه.

وجاء عن عبد الله بن مسعودٍ أنه قال: "الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل" صحيحٌ موقوفاً.

وقال شيخ الإسلام: مذهب الأئمة الأربعة أن آلات اللهو كلها حرام، ولم يذكر أحدٌ من أتباع الأئمة في آلات اللهو نزاعاً، طبل عود كمنجة قانون أورج، الذي هو، كل أنواع المعازف محرمة.

قال - رحمه الله -: "المعازف خمر النفوس، تفعل بالنفوس أعظم مما تفعل حمّيا الكؤوس". يعني الخمر. وقال -رحمه الله- عمن يكثر من سماع الغناء ويعتاده: "ولذلك… من اعتاده واغتذى به، لا يحنُّ إلى سماع القرآن، ولا يفرح به، ولا يجد في سماع الآيات كما يجد في سماع الأبيات، بل إذا سمعوا القرآن سمعوه بقلوبٍ لاهية، وألسنٍ لاغية، وإذا سمعوا المكاء والتصدية خشعت الأصوات، وسكنت الحركات، وأصغت القلوب".
ولذلك قال العلماء عن الغناء: رُقية الزنا، وشَرَك الشيطان، وخمرة العقول، يصد عن القرآن أكثر من غيره من الكلام الباطل، لشدّة ميل النفوس إليه ورغبتها فيه.
وقال الإمام أبو بكر الطرطوشي -رحمه الله-: "أما مالك فإنه نهى عن الغناء وعن استماعه، وقال: إذا اشترى جاريةً فوجدها مغنيةً كان له أن يردّها بالعيب". وسُئِل مالك -رحمه الله- عمّن يرخص الغناء فقال: "إنما يفعله عندنا الفساق".
أما أبو حنيفة فيجعله من الذنوب. وأهل الكوفة كسفيان وحماد والشعبي لا اختلاف بينهم، وكذلك أهل البصرة من الفقهاء على المنع منه. الغناء بدون معازف، الغناء بدون معازف يقول الشافعي: "يشبه الباطل، ومن استكثر منه فهو سفيه تُردُّ شهادته"، وصرّح أصحابه العارفون بمذهبه بتحريمه. وقال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عن الغناء فقال: -هذا غناء بدون معازف، بدون معازف- قال: "الغناء ينبت النفاق في القلب، لا يعجبني". ثم ذكر قول مالك: "إنما يفعله عندنا الفساق". فإذاً؛ الغناء بحد ذاته، الغناء بحد ذاته بدون مؤثرات صوتية وبدون معازف، الغناء بحد ذاته مكروهٌ عند بعض العلماء، محرمٌ عند آخرين؛ فإذا صار بالمعازف أو ما يشابهها من الآلات الصوتية والآلات الحديثة والتامبلر وغير ذلك فهو حرام قطعاً، فإذا صار بصوت المرأة الأجنبية البالغة فهو حرامٌ أشد تحريماً.
والآن القنوات بأصوات النساء مع المعازف بجميع وسائل تنقية الصوت والمؤثرات صباح مساء على آذان العباد تصب فوق رؤوسهم الحميم.
وذكر ابن قدامة في المغني أن آلة اللهو كالطنبور والمزمار آلةٌ للمعصية بالإجماع، وقال ابن الصلاح -من فقهاء الشافعية-: "فليعلم أن الدفّ والشبّابة إذا اجتمعت فاجتماع ذلك حرامٌ عند أئمة المذاهب وغيرهم من علماء المسلمين. ولم يثبت من أحدٍ ممن يُعتد بقوله من الإجماع والاختلاف أنه أباح هذا السماع".

وقوله: ممن يعتد بقوله: لأن هنالك أناسا لا يعتد بقولهم، وبعضهم ممن يدعي العلم في العصر الحديث يبيحونه. ولذلك قال لك ابن الصلاح: ممن يعتدّ بقوله. فإذاً هنالك من لا يعتد بأقوالهم يبيحونه.
ومنهم من يبيح الموسيقى الهادئة ومنهم من يبيح القليل من سماع المعازف، ومنهم ومنهم، وما أخطرهم وأكثرهم الذين يشرّعون بالتلاعب بالأدلة إباحة الغناء! يشرّعون ويؤلفون فيه ويريدون أن يكون هذا الأمر عادياً، حتى لا يشعر المسلم وهو يسمع أنه يعصي , فيقولون: هذا يعني مباح. أين هذا من حُداء أنجشة الذي كان يحدو بالإبل؟ أين هذا من إنشاد البنات الصغيرات بشعرٍ في الجاهلية عن يوم بُعاث في العيد؟ أين هذا من استثناء الدفّ المجرّد للنساء في الأعراس والأعياد؟ فالنصوص واضحة في استثناء الدفّ للنساء، الدف أصلاً محرم من المعازف، لكن استثناه الشرع وهو يعلم ما يصلُح للنفوس، والنساء تحديداً أباحه لهنّ في الأعراس والأعياد، وليس طيلة السنة، والدف المجرد، وغناء النساء البالغات لا يجوز أن يسمعه الرجال، والنبي -عليه الصلاة والسلام- إنما سمع صوت البنات غير البالغات، الجاريات، جويريات، يضربن بالدف.
ولذلك لو وصل إليك صوت البنات الصغيرات يضربن بالدف في العيد أو في العرس غير البالغات فلا إثم عليك.
والنبي -عليه الصلاة والسلام- وصل إليه ولم يتقصّد سماعه، ولم يذهب إليه ليجلس عنده، ولكن وصل إليه الصوت، ونهى أبا بكرٍ عن منعهنّ. بنات غير بالغات في العيد يضربن بالدف بأشعار مباحة، فهذا مباحٌ لهن. هذا الاستثناء الآن يريدون أن يجعلوه شرعةً ومنهاجاً.
عباد الله: انتشرت الموسيقى، وهذا منكر طبعاً، غير قضية الغناء الذي سبقت الإشارة إليه، في جميع الأجهزة والآلات تقريباً: جوالات، حواسيب، ساعات، سنترالات، مصاعد، ألعاب أطفال، أجراس البيوت، أدوات تعليمية. أما المحلات ففي الفنادق والمطاعم والطائرات وصالات الانتظار والحافلات. أما الوسائط التي تحويها من أشرطة وأسطوانات مدمجة وأجهزة "إم بي ثري وإم بي فور"، وتبثّ التلفزيونات والقنوات والإذاعات هذا الكلام يومياً ليلاً ونهارا.
ثم يأتي من أبناء المسلمين وبنات المسلمين من يدعمون قنوات الأغاني برسائل "الإس إم إس" ويرسلون لها بعشرة ريال وثمانية وسبعة، وبحسب الأرقام يكون الخصم سبعة آلاف، سبعة آلاف وتسعمائة، سبعة آلاف وثمانمائة، وهكذا يدعمون القنوات، قنوات الفسق والفجور التي تجمع بين الغناء المحرم والمعازف والنساء البالغات والمتعريات.
الآن الفيديو كليب مع الرجال في مشاهد يسمونها "حميمة" ويسمونه "حب". وهو وسيلة لممارسة الحب عندهم، وهو يعني الزّنا والفاحشة.

والأقمار الفضائية التي تبث بالعربي وبغير العربي أنواع القنوات ما أكثرها! عجب! إن نبينا لما قال: "إذا ظهرت"، فإنه وحيٌ يوحى، وربما لو أراد بعض الناس أن يتخيل في الماضي الظهور لتخيله في بعدٍ معين ومعنى معين بحسب ما يعيشه؛ لكن من عاش إلى زماننا قرأ معنى الظهور، في هذه القنوات، معنى الظهور بجميع أشكاله وأنواعه، هذا الظهور العجيب، وهذه القنوات بأسمائها من الطرب والمزّيكا والغنوة والأوتار والنغم ونحو ذلك. بجميع المشتقات، وبالعربية وبغير العربية.
أما على مستوى العالم فإن انتشار الغناء أمرٌ مذهل للغاية، في عام خمسة وألفين بلغت مبيعات الأغاني في الولايات المتحدة أربعة آلاف وسبعمائة وثلاثة وثمانين مليون دولار، أكثر من أربعة مليارات، قرابة خمس مليارات. وناهيك عما يكون في أوربا وأمريكا وغيرها ويتم استيراد هذه الأغاني وتحميلها من المواقع وتنزيلها من المواقع.
ودفع الناس في أكثر من عشرين دولة في استهلاك الموسيقى ألفا ومائتين وثلاثة بليون دولار على شكل "دي في دي" و"سي دي" وأشرطة كاسيت، وتم تحميل أكثر من عشرين مليون أغنية من موقع واحد.
وفي موقع آخر يوجد ربع مليون مشترك ليسمعوا ثمانية وعشرين مليون أغنية في شهر أكتوبر عام ستة وألفين، ويتوقّع أن تصل مبيعات الغناء إلى ثلاثمائة وثلاثة بليون على الإنترنت فقط.
وفي نوفمبر الماضي اشترى محبو الموسيقى سبعمائة وسبعة مليون أغنية من الإنترنت، وأربعة مليون قرص ليزري من أغنية واحدة. ومن المتوقع أن يكون ثلث مبيعات الموسيقى عن طريق الإنترنت.
وهكذا، إذاً صرنا في ظهور المعازف كما أخبر نبينا الصادق المصدوق -صلى الله عليه وسلم-، فماذا نحن فاعلون لأنفسنا وأولادنا وللمجتمع عموماً؟.

إن القلب المملوء بالألحان، المملوء بالأغاني، كيف يتدبّر كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؟ كتاب الله ينهى عن اتباع الهوى، والأغاني أغلبها هوى، كتاب الله يأمر بالعفة وكثير من هذه الأغاني والمعازف تدعو إلى الفحشاء والحب والغرام، كتاب الله يحمل المكلّف على مقاومة داعي الهوى في نفسه، ويجنّبه الشهوات المؤدّية إلى النار، وهذه الأغاني والمعازف تدعو إلى فعل القبيح، ووصل كل مليحةٍ ومليح.
فهي والخمر رضيعا لبان، وفي تهييجهما على الفسق والعصيان فرسا رهان. ماذا يفعل الغناء في القلب؟ هلا نظرنا في الأثر؟ هل تجتمع الألحان مع القرآن؟

اللجوء إلى الله وطلب العون منة

http://www.mexat.com/vb/showthread.php?t=277469 الإنسان لا يكاد أن يبتلى بشيء من الخوف أو بنقص في الأموال أو في الأنفس حتى تجده مهرعا إ...